ما لم تخفّض بيروت سقف التوقّعات، فأيّ انتكاساتٍ ستؤول في نهاية المطاف إلى تعزيز سردية حزب الله.
مهنّد الحاج علي
{
"authors": [
"محمد فواز"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"لبنان",
"إسرائيل",
"المشرق العربي"
]
}المصدر: Getty
تسعى الطائفة إلى ترك مسافة بينها وبين حزب الله، ومسافة أكبر بينها وبين فكرة التطبيع مع الجار الجنوبي.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيسان/أبريل 2026 عن التوصّل إلى وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، غير أن هذا الاتفاق لم يُفضِ إلى حلّ أيٍّ من المسائل الشائكة بينهما، وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ في جنوب لبنان. لذا، قرّر الجانبان الانخراط في مفاوضات مباشرة لتسوية القضايا العالقة، فعُقد اللقاء الأول بينهما في 14 نيسان/أبريل الجاري برعاية الولايات المتحدة في واشنطن، التي استضافت أيضًا الاجتماع الثاني في 23 نيسان/أبريل.
عَقب وقف إطلاق النار، شهد لبنان انقسامات حادّة بين مختلف القوى بشأن مسار المفاوضات وما ينبغي أن تسعى إلى تحقيقه. وقد سُلّط الضوء على الأطراف الأكثر تشدّدًا في هذا الملف، ولا سيما القوات اللبنانية، التي تركّز على مطلب نزع سلاح حزب الله، وكذلك على الحزب نفسه، الذي يؤكّد رفضه للمفاوضات وسط مؤشّرات على دعم قاعدته الشيعية لهذا التوجّه. في المقابل، ظلّت الطائفة السنّية بعيدًا عن واجهة النقاش إلى حدٍّ كبير، على الأرجح بسبب تشرذم قيادتها السياسية وتشتّتها.
عمومًا، يتأثّر الموقف السنّي تجاه العلاقات مع إسرائيل بفعل مجموعةٍ من العوامل المعقّدة والمتشابكة، لا بل والمتناقضة أحيانًا. أولًا، لا يزال البُعدان الديني والتاريخي ركيزتَين أساسيّتَين في تشكيل تصوّرات سنّة لبنان وتوجّهاتهم. فقد أدّى الجيل الأقدم من الطائفة السنيّة دورًا محوريًا في دعم العمل الفدائي الفلسطيني واحتضانه، بل شاركت أطراف سنيّة لبنانية في القتال إلى جانب الفصائل الفلسطينية في لبنان تحت راية تحرير فلسطين، في وقتٍ شكّلت القضية الفلسطينية والعداء لإسرائيل جزءًا لا يتجزّأ من الهوية السياسية والعقائدية لسنّة لبنان والمنطقة. في الوقت نفسه، أعاد العامان الماضيان تأجيج المشاعر المناهضة لإسرائيل في أوساط قطاعاتٍ واسعة من الشباب السنّة. ويتجلّى هذا التوجّه بوضوح في خطب الجمعة داخل المساجد اللبنانية، وتحديدًا في تركيزها على التهديد الذي تطرحه إسرائيل ومشاريعها في لبنان، إلى جانب تأكيدها على أن التطبيع معها مُحرَّم وباطل شرعًا.
على المقلب الآخر، لطالما كان السنّة في لبنان عمادًا أساسيًا لمشروع الدولة، إذ يدعمون مؤسساتها ويلتزمون بقراراتها حتى وإن أبدوا اعتراضات على سياسات حكومية محدّدة. ويساعد ذلك على فهم الالتفاف الكبير حول رئيس الحكومة نواف سلام، من منطلق الحرص على موقع رئاسة الوزراء ورمزية التمثيل السنّي في الدولة، أكثر من مجرّد تأييدٍ لشخص سلام في حدّ ذاته. وبالتالي، فإن أيّ إضعافٍ لهذا الموقع قد يؤدّي مباشرةً إلى اختلال توازن الطائفة السنيّة ضمن المعادلة اللبنانية.
ويكمن العامل الثالث الذي يسهم في تشكيل مواقف السنّة اليوم في قلقهم من أن يُعيدَ حزب الله توجيه سلاحه إلى الداخل فور انتهاء الصراع مع إسرائيل، كما فعل بعد حرب تموز/يوليو 2006، وخلال أحداث 7 أيار/مايو 2008، حين خاض مواجهةً ضدّ حكومة رئيس الوزراء آنذاك فؤاد السنيورة. وقد عادت هذه الهواجس إلى الأذهان بسبب التهديدات التي أطلقها حزب الله مؤخرًا، والمسيرات التي نظّمها أنصاره في بيروت، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية السنّية، ما ساهم في تعزيز الدعم السنّي لشخصياتٍ ومواقف تمثّل الدولة، وعلى رأسها نواف سلام.
أما العامل الرابع فهو غياب قيادة سياسية سنّية مركزية قويّة قادرة على توحيد الصف، ورسم مسار سياسي جديد يتجاوز الانقسامات الداخلية سعيًا إلى تهدئة مخاوف السنّة وتلبية تطلّعاتهم.
خامسًا، يؤدّي العامل الجغرافي دورًا مباشرًا في إعادة تشكيل المزاج العام. فعلى عكس الافتراضات المسبقة، فإن الثقل السياسي والديموغرافي للطائفة السنّية لا يقتصر على شمال لبنان كما يُشاع، بل يمتدّ أيضًا إلى مناطق الجنوب، من صيدا إلى قرى العرقوب، وصولًا إلى "القرى الست" المحاذية للشريط الحدودي (هي الضهيرة، ويارين، ومروحين، والبستان، وأم التوت، والزلوطية) التي تعرّضت لتدميرٍ هائل وهُجِّر أهلها خلال حرب العام 2024. ومع اتّساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي ليشمل عمق البقاع، برز نمطٌ واضح: كلما ازداد القرب من مناطق المواجهة في الجنوب، ازداد العداء السنّي لإسرائيل، وارتفع مستوى التعاطف مع خطاب المقاومة الذي يتبنّاه حزب الله وأنصاره.
ويتمثّل العامل السادس والأشمل، في الروابط الإقليمية للسنّة. فوسط التأثيرات المتنافسة التي تمارسها دولٌ مختلفة في منطقة الشرق الأوسط على الطائفة السنّية في لبنان، ومع غياب قيادة سنّية محلّية موحّدة، بات الدور الإٍقليمي الأوسع في تشكيل مواقف السنّة في البلاد أكثر بروزًا. وبعد أن اتّسمت البيئة الإقليمية على مدى العقدَين الماضيَين، خصوصًا في دول الخليج، بالعداء لإيران وحزب الله، عاد ليُنظر إلى إسرائيل اليوم باعتبارها مصدرًا أساسيًا للتهديد.
يتّضح هذا التحوّل من خلال تصريحات تركيا الأخيرة، ولا سيما على لسان وزير خارجيتها هاكان فيدان في منتدى أنطاليا للدبلوماسية الذي أُقيم هذا الشهر. فقد صرّح قائلاً إن "إسرائيل لا تسعى إلى ضمان أمنها، بل تريد مزيدًا من الأراضي. وتستخدم حكومة نتنياهو الأمن ذريعةً لاحتلال مزيدٍ من الأراضي". وفي ما يتعلّق بالمملكة العربية السعودية، فعلى الرغم من التوقّعات السابقة بقربها من التوصلّ إلى اتفاق تطبيع مع إسرائيل، أدّت الحرب في غزة وعمليات التصعيد العسكري الأخرى على مقربة من حدودها إلى زيادة التباعد السعودي الإسرائيلي. وتبدو الرياض غير مستعدّة للقبول بنظامٍ إقليمي بقيادة إسرائيل، تمامًا كرفضها فكرة نظامٍ إقليمي بزعامة إيران، في ظلّ توجيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديدات لما أسماه "المحور السنّي الراديكالي الناشئ".
تعكس هذه التوجّهات مجتمعةً عملية إعادة ترتيبٍ أوسع للأولويات والتنافسات الإقليمية، من شأنها أن تؤثّر على طريقة تعامل قوى المنطقة مع لبنان، كما على المواقف السنّية داخل البلاد. ويتجلّى هذا المنحى أيضًا في إقدام رئيس مجلس النواب نبيه بري على توطيد علاقاته مع السعودية، التي أوفد إليها مؤخرًا معاونه السياسي علي حسن خليل، بالتوازي مع إعادة تأكيد رفضه القاطع للتفاوض المباشر. وتزامنت تصريحاته مع صدور تقارير أشارت إلى تحفُّظ الرياض على ذهاب لبنان وحيدًا إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل من دون توافق داخلي وغطاءٍ عربي.
برزت سورية أيضًا كنقطة التقاءٍ مهمة بين تركيا وعددٍ من دول الخليج العربي، ولا سيما السعودية، حتى إنها أضحت ساحة رئيسة في المواجهة مع إسرائيل. علاوةً على ذلك، نظرًا إلى الإحباط السنّي جرّاء عقودٍ من التهميش في سورية، بدأت سورية الجديدة تحدّد جزئيًا التوجّه السياسي للطائفة السنّية في لبنان. من هذا المنظور، اتّخذت دمشق موقفًا أكثر صرامةً تجاه إسرائيل، رافضةً أيّ خطواتٍ نحو إبرام اتفاق سلام، ومُفضّلةً الاكتفاء بالترتيبات الأمنية فقط. كذلك، حذّرت سورية من الطموحات التوسّعية الإسرائيلية، وسط سعيها إلى تهدئة التوتّرات مع حزب الله، من دون تبنّي خياراته أو نسيان مظالمها تجاهه. ويعكس هذا الموقف، من نواحٍ كثيرة، المزاج السائد في أوساط سنّة لبنان.
وبناءً على ذلك، تتشكّل مواقف السنّة على المستوى الفردي بمدى تأثّر كلّ شخصٍ بهذه العوامل، وبمقدار تقاطعها مع مصالحه وظروفه الخاصة. أما على المستوى الجماعي الأوسع، فيميل المزاج السنّي إلى الحفاظ على مسافةٍ بين الطائفة وتوجّهات حزب الله، بالتوازي مع الحفاظ على مسافة أكبر بينها وبين فكرة التطبيع مع إسرائيل. ويُرجّح أن يترسّخ هذا الموقف ويتطوّر وفق المسار الذي تسلكه علاقات الدول العربية وتركيا من جهة، ومع إسرائيل من جهة أخرى، في ظلّ احتدام التنافس الإقليمي. وهكذا، تبدو المنطقة في طور الانتقال من مواجهةٍ محصورة في الغالب بين إسرائيل ومحاور شيعية، إلى مواجهةٍ إسلامية إسرائيلية أوسع، وإن بأدواتٍ مختلفة ومن دون أن تُفضي إلى تقارب سنّي شيعي. ومن المرجّح أن تبقى سورية ولبنان الساحتَين الرئيستَين لهذه المواجهة.
محمد فواز
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
ما لم تخفّض بيروت سقف التوقّعات، فأيّ انتكاساتٍ ستؤول في نهاية المطاف إلى تعزيز سردية حزب الله.
مهنّد الحاج علي
يستدعي قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تحرُّكًا قانونيًا دوليًا ومبادرةً عربيةً فعّالة.
مروان المعشّر
يمثّل أكبر خزّان مائي في لبنان حالةً تتقاطع فيها الإخفاقات.
كميّ عمّون
توجّه مساعي القاهرة رسالةً إلى الولايات المتحدة ودول المنطقة مفادها أنها لا تزال حاضرةً على طاولة المحادثات الدبلوماسية.
انجي عمر
الرغبة في التحرُّر من الهيمنة الإيرانية قد تؤدّي إلى وضعٍ تُضطرّ فيه بيروت إلى القبول بالهيمنة الإسرائيلية.
مايكل يونغ